الفصل الثالث من رواية ما تبقى من البوح
الفصل الثالث
من رواية ما تبقى من البوح
للروائي : حسن غريب أحمد
عضو اتحاد كتاب مصر
أعاصير الحزن
عاد الشيخ جمعة سويلم إلى قرية الضهيرية بصحبته صقر الذى كان ينتظره خارج قسم الشرطة و مرا فى طريقهما ببيوت أهالى القرية ، كلها أقزام من دور واحد متلاصقة من الشعر و جريد النخيل و من الطوب الأسمنت الذى لم يتم تغطيته بطبقة من الأسمنت حتى السكن البدوى الذى أنشأته الحكومة سكن معظمها المعلمون العاملون بالمدرسة و من استلم منهم هذا السكن أقام بجواره بيت من القش و جريد النخيل ومن الشعر فى نهاية البيوت المتفرقة أحيانا و الملتصقة أحيانا الذى تحتضن عند نهايته صفوف من جريد النخيل و كأنه شفتان سوداوان تمسكان بينهما سيجارة و البيوت أغلبها سماوية قلما تجد أحدها مسقوف بجريد النخيل و الطين و حطام السيارات القديمة و كلها قابعة تحت سطح هرم من الرمال الناعم الواقف فوقها كالحارس و كأنها تقبل قدميه فى ذلة و استسلام يفصل بين البيوت أشجار العنب و التين و الخوخ و اللوز .
و ما عن وصلا فى طريقهما ناحية دكان عم ( حماد ) حتى سمعا صراخ وعويل أشبه ما يكون بزئير ( لبؤة ) فقدت شبلها و لا عجب فقد كان صادراً من فم ( واضحة ) زوجة الشيخ جمعة و التى سمعت الخبر من سلمى زوجة صقر بعد ان دارت به زوجة ( جرجس أفندى ) و الذى يعمل سكرتير نيابة مركز الشيخ زويد عدة بيوت مجاورة – صار بعدها الخبر على كل لسان بالرغم من تحليف ( جرجس أفندى ) لها بالمسيح الحى و الإنجيل ألا تطلع عليه أحداً من أجل ألا يكون جرجس أفندى – على حد قوله ( وش شوم )
الشيخ جمعة يمشى الهوينى و كأن قدميه تركب سلحفاة مريضة عمرها ملايين السنين تلاحقه نظرات أهالى قرية الضهيرية بعضها شفقة و جلها شماتة فى ( حسان ) المقتول نفسه و هذه الأخيرة صادرة من عيون تنظر باستمرار إلى آثار ضرب العصا الذى ناله من صاحبها على يد أبن شيخ القبيلة ( حسان ) بلا ذنب قام به أو جرم ارتكبه .
وصل الشيخ جمعة إلى بيته بعد لحظات مرت عليه كالدهر و سرعان ما عاد بصحبة ( مصطفى ) موظف تحصيل فواتير الكهرباء بقرية الضهيرية لأنه من أبناء السويس و يعلم عادات و تقاليد ناس مدن القناة و أيضا شاب متعلم .
كان الشيخ جمعة يمتطى حصانا هذه ا لمرة بعد أن تمردت عليه قدميه و أى أن تحمله .
لكن الشئ الغريب الذى لا يخطئه بصره ان ظله تحت أقدام الحصان أقصر من جسده مما يشير أنه انكمش و تقزم و كان صقر ثالثهم و الذى يجرى خلف الحصان ساترا انفه اتقاء للعقار المترب الذى صنعه أقدام الحصان أثناء سيره على الأرض الترابية كان ثلاثتهم قاصدين السكة الرئيسية للركوب إلى موقف الشيخ زويد ومن ثم السفر إلى مدينة بلبيس لإحضار جثة ( حسان ) تتبعهم نظرة وجه إلى وجه ثم همسة من فم لأذن و سرعان ما كونا رقعة من هنا و رقعة من هناك و إذا بالرقع العديدة تحيك ثوباً من جديد أصل الشيخ جمعة وفصله و حكايته و حوادثه يتقيأونها كتقيؤ الطعام الفاسد .

تعليقات
إرسال تعليق