سردية الفناء واستعادة الذاكرة: قراءة في فلسفة الاغتراب ورموز السلطة بـ "رماد العابرين"
سردية الفناء واستعادة الذاكرة: قراءة في فلسفة الاغتراب ورموز السلطة بـ "رماد العابرين"
بقلم: حسن غريب
ناقد باحث مصري
تُعد رواية «رماد العابرين» للكاتب والروائي المصري ياسر عبد الحافظ تجربة فريدة في الرواية العربية المعاصرة، حيث يتحول السرد فيها إلى فضاء للتأمل الفلسفي والوجودي أكثر من كونه حبكة تقليدية. هي عمل يشتبك مع مفهوم "الديستوبيا" بروح عربية خالصة، واضعاً القارئ أمام تجربة تساؤل حيّ: متى نكون أحياءً فعلًا، ومتى نصير مجرد عبور في هذا الوجود؟
العالم كأنقاض: البناء الدرامي وتفكيك المركزية
يعتمد عبد الحافظ بنية سردية تتجاوز الخطية، غازلاً خيوطاً متقاطعة بين شخصيات تبدو وكأنها "أشباح" تبحث عن ذواتها في فضاء يقع بين الحلم والكابوس. تتسم أحداث الرواية بـ زمن مكثف جدًا (سبع ساعات)، مما يعكس إحساس الشخصيات بالضغط الوجودي أمام الفناء، حيث يتحول المكان إلى فضاء رمزي لاختبار الذات.
يقول النص في أحد مقاطعه الكاشفة:
"الساعات تتسارع، وكل دقيقة تحملني أقرب إلى نهاية لا أستطيع التوقف عندها."
هذا التصوير يجسد أثر الزمن على الإنسان، حيث تصبح كل لحظة اختباراً للوجود، وهو ما يتوافق مع ما ذهب إليه عبد الرحمن بدوي عن الإنسان باعتباره «كائنًا مأزومًا أمام العدم لا يستطيع السيطرة على واقعه».
نور: أيقونة الخلاص ورمزية الأمل المستحيل
تعتبر شخصية "نور" مركز الثقل الوجداني في العمل؛ فهي ليست مجرد شخصية أنثوية، بل هي استعارة عن "الجمال المفقود" وسط القبح المعمم. في عالم يسوده الرماد، يأتي اسمها ليكون نقيضاً موضوعياً للحالة العامة. تكتسب نور قوتها من غيابها، فهي المحرك للأحداث والفاصل الوحيد بين الشخصيات والجنون التام.
"كانت نور هي الفاصل الوحيد بيننا وبين الجنون التام، غيابها لم يكن مجرد فراغ، بل كان ثقباً أسود يبتلع كل ما تبقى من ألوان في المدينة."
الرموز السياسية المستترة: ديستوبيا السلطة ومحو الذاكرة
تحت غطاء الفانتازيا، يمرر عبد الحافظ نقداً سياسياً حاداً يغوص في فلسفة القمع. فالمدينة المحاصرة هي استعارة عن "الدولة الشمولية" في لحظة احتضارها، حيث يتحول الرماد إلى أداة لـ "محو التاريخ والوعي الجمعي". السلطة هنا تسعى لحرق الماضي لتبدأ التأريخ من لحظة هيمنتها، مما يجعل الأفراد "عابرين" بلا جذور.
يقول الكاتب واصفاً هذا المصير السياسي العبثي:
"في هذه المدينة، لا أحد يملك حق السؤال. نحن نتحرك وفق خرائط رسمها أشخاص لم يسبق لهم أن مشوا في هذه الشوارع، ونسكن بيوتاً لا تملك مفاتيحها سوى الريح."
الشخصيات: عبور بلا يقين في مواجهة العدم
الشخصيات في الرواية ليست ذواتاً مكتملة، بل نماذج وجودية تمثل حالات الوعي البشري أمام الفناء. يعكس النص هشاشة الإنسان أمام الزوال، وارتباط الهوية بالذاكرة المؤقتة:
"أحسست أنني مجرد ظل يمر فوق أرض لم تعد لي، وأن ذكرياتي تتناثر كالرماد."
هذا الاغتراب يقترب من رؤية سارتر للإنسان كمشروع ناقص يسعى للمعنى وسط الفراغ. كما يجسد النص التوتر بين الحياة والموت في منطقة رمادية: "كنت أتنقل بين الأحياء كما لو كنت ميتًا، أراقب الحياة من بعيد دون أن أشارك فيها."
البعد الفلسفي واللغة: سرد للتأمل
اعتمد الكاتب لغة مركزة وتأملية، تترك فجوات دلالية تعكس الضغط الوجودي والوعي بالزوال. إن رمزية العجز البشري تتجلى في قول النص:
"كل ما بنيته من حياتي، يبدو الآن كقلعة من رماد أمام عيني."
هذا يضع القارئ أمام تجربة مأساوية حقيقية، حيث لا خلاص، بل مواجهة مستمرة مع وحدة الإنسان وفنائه المحتمل.
خاتمة
تؤكد «رماد العابرين» أن الرواية المعاصرة لم تعد مجرد سرد أحداث، بل مساحة للتأمل الوجودي والسياسي. ياسر عبد الحافظ لم يكتب عن "النهايات" بقدر ما كتب عن "ما بعد النهاية"؛ عن تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه مجرد عابر في ملكوت لا يعترف بوجوده، لكنه رغم ذلك، يظل يبحث عن "نوره" الخاص وسط الغبار.
الهوامش المرجعية للدراسة:
عبد الرحمن بدوي، الزمان الوجودي، دار النهضة العربية، ص. 45.
جان بول سارتر، الوجود والعدم، ترجمة جورج طرابيشي، دار الثقافة، ص. 112.
نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، المركز الثقافي العربي، ص. 29.

تعليقات
إرسال تعليق