بقايا امرأة
بقايا امرأة
قصة قصيرة
حسن غريب
أخيراً وصلت المنزل ، مبللة بمطر مارسي رقيق .. رفضت دعوة أمها إلى تغيير ملابسها وتناول الغداء مع الأسرة .. أسرعت إلى غرفتها أقـفـلت بابها .. جلست خلف الطاولة .. فتحت بلهفة الدفتر الذي إحتوى لأكثر من نصف ساعة عالماً غامضاً مشبعاً بالآمال ..
ها هو الظرف الذي أصرت على إعادة محتوياته إليها .. ربما أرادت اختباره لآخر مرة اختباراً هامساً من ناحية واحدة فقط .. هل يعيد آخر ما يربط بينهما ؟ هل يعيد بقاياها التي كانت في درجة .. إن فعل فالتفسير الوحيد هو أنه منذ زمن بعيد إنتزعها من ذاكرته وقلبه وحياته وبسهولة يسلم آخر الذكريات وهكذا كان .. أخرجت الأوراق بدقة قلب إضافية وإحساس مريض بالخيبة ..
أوراق شاحبة صفراء كأوراق خريف يابسة الأطراف .. خطر لها أن تـعـد الأوراق للتأكد من كونها كاملـة .. وأن تبحث عن ورقة ربـيع واحدة جديدة .. عليها حبر أخضر طرى .. لكنها آثرت أن تطيل عمر الشكوك والآمال .. على الورقة الأولى التي بين يديها إعادة قراءة النهاية الحائرة ..
إنه إخلاص نادر .. لأن الإخلاص بات نادراً .. من أية غربة مظلمة تخلق كل هذه الأحداث المتكررة .. تكراراً قاسياً .. ألقت الورقة جانباً وفتحت التي تـليها .. لم تكملها .. قلبت الأوراق لا جديد كلها أوراق كتبتها يد تشبه يدها .. وقلب لم يكن لها .. الورقة الأخيرة حسب الترتيب كانت أول ما خطته له منذ أربع سنوات .. منذ البداية .. تشممتها حرفاً حرفاً .. بحثت عن كلمة واحدة منه .. عن سطر وضعه عليه توقيعاً .. لكنها لم تجد غير وريقات الخريف المشققة التي سقطت تواً على أرض مبتلة من خلال دموعها .. رأت نفسها وهي تستلم الظرف من صديقه مصطنعة .. الثبات والمرح .. وعدم المبالاة .. رأت نفسها وهي تسير وسط الضباب في الشوارع التي بدت لها غائمة كسماء " يناير " ورأت نفسها تصعد الأتوبيس وديعة قلقة تفكر بالنهاية الحقيقية .. وكيف قضت عشرين دقيقة تحلم بالوصول إلى المنزل لتفتح ظرفه ورسالة أخيرة منه ؟ .. تقرأ فيها إعتذاره إنابة عن الظروف عن القدر والسنن الكونية .. كيف أن حرارة الشوق تحولت إلى نفاذ صبر مع برودة المطر الربيعى الذي داهمها وهي تسير مسرعة في طريقها إلى البيت .. تذكرت أخيراً أنها تجلس والظرف تسأله ويجيب بكل صراحة وقد أجاب على كل شىء.
جمعت الأوراق وأوراق كثيرة رفضت في الماضي أن تموت .. جمعتها كلها و أطعمتها للنار وتطاير الرماد في كل مكان .. شاهدت كيف تصل النار كلمة " الحب " فتحولها إلى سواد .. كيف يغدو كل الماضي ورقة سوداء تقطفها الريح فتصطدم بحجر فتتفتت وتتناثر في كل مكان .. ولكن كل رماد الأوراق حط على أرض خضراء أستقر كله في القلب.
" انتهت "

تعليقات
إرسال تعليق