حين يضيق العالم بالإنسان

 


حين يضيق العالم بالإنسان


بقلم: حسن غريب أحمد


كاتب وناقد وروائي مصري


في لحظات بعينها، يشعر الإنسان أن العالم أضيق من قلبه، وأن الهواء لا يكفي لأسئلته المتراكمة. 

لا يكون الأمر حدثًا جللًا بالضرورة، ولا كارثة تهزّ الأرض، بل إحساسًا خفيًا يتسلل ببطء، كغبارٍ ناعم يغطي الروح حتى تفقد لمعانها.

نستيقظ كل يوم، نمارس طقوسنا المعتادة، نبتسم في وجوه الآخرين، نؤدي أدوارنا الاجتماعية كما ينبغي، لكن في الداخل ثمة شيء يئنّ بصمت. 

شيء لا يطلب كثيرًا، ربما فقط قليلًا من الطمأنينة، قليلًا من الاعتراف، قليلًا من العدل في عالم لا يتقن دائمًا الإنصاف.

لقد صار الإنسان المعاصر مثقلًا بما لا يُرى.

مثقلًا بتوقعات لا تنتهي، ومقارنات لا ترحم، وضجيجٍ يملأ الأذن ولا يترك للقلب فرصة الإصغاء إلى نفسه. 

في هذا الضجيج، تضيع الأصوات الهادئة: صوت التأمل، صوت الرضا، صوت الحكمة البسيطة التي كانت تقول لنا إن الحياة ليست سباقًا دائمًا.

نركض كثيرًا، لكننا لا نسأل دائمًا: إلى أين؟

نُراكم الإنجازات، وننسى أن نُراكم المعنى.

نحرص على الصورة، ونهمل الجوهر.

ولعل أكثر ما يرهق الإنسان اليوم أنه مطالب بأن يبدو قويًا على الدوام.

 لا يُسمح له أن يعترف بتعبه، ولا أن يتوقف طويلًا ليلتقط أنفاسه.

 كأن الضعف خطيئة، وكأن الحزن عيب يجب إخفاؤه خلف ستار المجاملات.

لكن الحقيقة أن الاعتراف بالهشاشة هو أول طريق القوة.

فالإنسان الذي يعرف ضعفه، ويصالح خوفه، ويعترف بقلقه، هو إنسان يقترب من ذاته أكثر.

 أما الذي يهرب من مواجهة داخله، فإنه يظل أسير قناعٍ لا يشبهه.

نحن في حاجة إلى مساحات صادقة، لا تُحاسبنا على مشاعرنا، ولا تُطالبنا بأن نكون نسخًا مثالية من صورة متخيلة. 

في حاجة إلى أن نقول: نعم، نحن نتعب. 

نعم، نشعر أحيانًا بالضياع. نعم، نخاف من الغد. 

وليس في ذلك ما يُنقص من كرامتنا شيئًا.

الإنسان ليس آلة إنتاج، ولا مشروع نجاح دائم، بل كائن حساس، يتأثر بما حوله، ويتشكل بما يمر به من تجارب. 

قد تعصف به الخيبات، وقد تُرهقه الظروف، لكنه يظل قادرًا على النهوض، ما دام في داخله بقية من أمل.

الأمل ليس وعدًا ورديًا بأن كل شيء سيكون على ما يرام، بل قناعة عميقة بأن المعنى يمكن أن يولد من الألم، وأن الطريق ـ مهما طال ـ لا يخلو من نافذة ضوء. 

ربما يكون الضوء خافتًا، لكنه يكفي لخطوة أخرى.

فلنمنح أنفسنا إذن بعض الرفق.

لنُخفف من قسوتنا على ذواتنا، ومن أحكامنا المتعجلة على الآخرين.

لنُدرك أن لكل إنسان معركة لا نراها، وأن ما يبدو لنا صلابة قد يكون في الداخل تعبًا مكتومًا.

حين نتعلم أن ننصت إلى إنسانيتنا قبل أن ننصت إلى ضجيج العالم، سنكتشف أن الحياة ـ رغم كل شيء ـ تستحق أن تُعاش بوعي، لا باندفاع؛ وبصدق، لا باستعراض؛ وبقلب مفتوح، لا بروح مثقلة بالخوف.

وربما، في لحظة صفاء نادرة، سنشعر أن العالم اتسع قليلًا. لأننا اتسعنا نحن من الداخل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة