ومازال البحث جارياً

 قصة قصيرة 


ومازال البحث جارياً 

حسن غريب 



كانت «إيمان» آخر ما تبقّى له من الفصول الجميلة فى حياته.

التقاها مصادفة فى مقهى صغير يطلّ على شاطئ البحر، مساء يومٍ رمادى من شتاءٍ بعيد.

كانت تجلس وحدها تقرأ كتابًا، بينما تتساقط قطرات المطر على الزجاج كأنها تعزف لحنًا حزينًا يعرفانه سلفًا.

لم يكن يخطط لشىء، لكنه حين لمحها شعر بأن القدر قرّر أخيرًا أن يمنحه شيئًا مختلفًا.تبادلا النظرات أولًا، ثم الكلمات، ثم الصمت المريح الذى لا يحدث إلا بين الأرواح المتشابهة.

فى أيام قليلة صار اللقاء عادة، والحديث متّسعًا، والغياب مستحيلًا.

كانت «إيمان» تحب التفاصيل الصغيرة: رائحة القهوة، أول المطر، الأغانى القديمة، وابتسامة العابرين. وكان هو يحب فيها قدرتها على أن تجعل الأشياء البسيطة تبدو كأنها معجزة. كانت تحكى عن أحلامها، فيصغى كما لو أنه يسمع قصيدةً لم تكتمل بعد.

لكن الزمن، كما يفعل دائمًا، لم يمنحهما متّسعًا كافيًا. بدأت المسافات تتسلّل بينهما بلا سبب واضح. مرةً تسافر، ومرةً لا تردّ على الرسائل، ومرةً تضحك لتخفى وجعًا لا يريد أن يشاركه أحدًا.

وحين سألها ذات مساء: «هل تغيّرتِ يا إيمان؟».

اكتفت بابتسامةٍ غامضة وقالت: «ربما الأشياء الجميلة لا تكتمل كى تظلّ فينا حيّة».

وبعدها... غابت.

لا مكالمة، لا وداع، لا تفسير.. فقط غيابٌ واسع يملأ القلب ويُطفئ الأيام واحدةً تلو الأخرى.

حاول أن يجدها.. اتصل بكل الأرقام التى يعرفها، مرّ على الأماكن التى جمعتهما، انتظرها فى المقهى القديم، لكنه لم يجد إلا الكرسى الفارغ، والظلّ الذى يشبهها قليلًا.

مرت الشهور، ثم الأعوام، وصار الغياب عادةً، والحنين لغةً يومية لا يتقن سواها.

كان يعود كل عام إلى نفس المقهى فى نفس الموعد، يطلب فنجان قهوة واحدًا، ويجلس فى الصمت ذاته، كأنه يحدّثها هناك، فى المسافة بين الذاكرة والنسيان.

ذات مساءٍ، جلس كعادته، وأمواج البحر تتلاطم أمامه، وهو يبتلع آخر خيوط الغروب، تسلّل صوت فى داخله يقول:

«ربما لم تكن إيمان هى الفقد، بل كانت الدرس».

ابتسم بخفةٍ، وأشعل سيجارته، ثم نظر إلى المقعد المقابل وقال بصوتٍ خافتٍ كأنه يخاطب الغياب نفسه:

«بعض الحكايا، لا تنتهى، يا إيمان... لكنها تظلّ تعيش فينا، على حافة الغياب».


رابط القصة القصيرة منشور بموقع الدستور 

https://www.dostor.org/5298795



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة