ابنة مالا يقال

 


ابنةُ ما لا يُقال

قصة قصيرة

حسن غريب أحمد 


قاص ناقد مصري 


عندما وُلدت مريم، لم تبكِ زينب. 

كانت تنظر إلى السقف كأنها تحصي الشقوق، تخشى إن أغمضت عينيها أن يعود المشهد كاملًا، بلا حذف ولا رحمة.

قالت القابلة: «مبارك». 

لم تعرف زينب أين تضع الكلمة. هل تُعلّقها على باب الألم؟ أم تُخفيها في درجٍ لا تفتحه؟

كانت مريم خفيفة، خفيفة على نحوٍ يخيف. 

حين حملتها أول مرة شعرت بمسافةٍ خفيّة بين ذراعيها، كأن الجسد يتذكّر ما يحاول العقل نسيانه. 

لم تكن المسافة كراهية، بل خوفًا من أن تحبّ فتنهار.

في الليل، كانت الطفلة تبكي. كلما بكت، أسرعت زينب إليها، لا لتُسكتها فقط، بل لتتأكد أنها لم تحلم بها. 

كانت تضع أذنها على صدرها الصغير وتهمس: «أنتِ هنا… أنا هنا».

ذات صباح، ابتسمت مريم لأول مرة. 

ابتسامة بلا ذاكرة، بلا تاريخ، بلا ذنب.

 عندها فقط، شعرت زينب أن المسافة بين الذراعين تضيق قليلًا.

فهمت فجأة أن الأمومة ليست عدلًا، وأن القلب لا يُصدر أحكامًا نهائية، وأن الحب قد يأتي متأخرًا، مترددًا، لكنه حين يأتي، يأتي حقيقيًا.

في الخارج، كانت الحرب مستمرة. 


وفي الداخل، كانت زينب تخوض حربًا أخرى: أن تحمي ابنتها من ماضيها، وأن تحمي نفسها من الشعور بالذنب لأنها نجت.

ضمّت مريم بقوة، وللمرة الأولى لم تفكر في الليل، ولا في القيود.

فكرت فقط أن هذه الطفلة —رغم كل شيء— قررت أن تعيش.

وهذا، في زمنٍ كهذا، كان فعل مقاومة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة