شهوة الشهرة: بين الحافز الإبداعي وخطر الانزلاق
شهوة الشهرة: بين الحافز الإبداعي وخطر الانزلاق
ناقد باحث مصري
يقول بعض الفقهاء إن شهوة الشهرة أشد سُعارًا من اشتهاء الجنس، وهي مقولة تحمل في طياتها درسًا عن الطبيعة البشرية، وعن هشاشة النفوس أمام الإغراء.
في الوسط الأدبي والثقافي، تتجلى هذه الحقيقة بوضوح، فنرى كثيرين يقدمون تنازلات فادحة في سبيل الحفاظ على مكانتهم أو تعزيز وجودهم أمام الأقران والجمهور.
الشهرة بوصفها هدفًا هي شهوة مزدوجة: رغبة في الاعتراف والظهور، ورغبة في النفوذ الثقافي والاجتماعي. والمبدع، بطبيعته، حساس، يسعى للاعتراف بما أنتجه من عمل، لكنه قد يخطئ الطريق حين تتحول الحاجة للتقدير إلى حاجة للاختزال أو التملق أو الانحناء أمام المصالح.
هنا تتغير العلاقة بين الفنان ونتاجه: تصبح الشهرة غاية، بينما الإبداع وسيلة.
لقد شهدنا بأعيننا كيف يمكن أن تتحول الموهبة إلى مادة قابلة للمساومة.
ففي محافل الجوائز، أو مجالس النشر، أو حتى النقاشات الثقافية، نجد مَن يضع نفسه تحت ضغط التوافق مع تيارات معينة، أو يقدم تنازلات أخلاقية في سبيل الظهور، متناسيًا أن النقد الحقيقي لا يُشترى، وأن احترام الجمهور لا يُكسب بالانحناء، بل بالصدق والوفاء للذات وللنص.
الشهرة بهذا المعنى تصبح اختراقًا لمناطق الوجدان، فالمبدع يجد نفسه أمام سؤال صعب: هل أقبل التنازل المؤقت لأظل حاضرًا، أم أصمد في صمت، محافظًا على شرف الإنتاج وصدق العمل؟ هذه المعضلة ليست سهلة، لأنها تصطدم بالغرور الطبيعي، والحاجة إلى الاعتراف، والرغبة في الخلود الرمزي عبر التقدير الأدبي.
الدرس الأساسي هنا أن الشهرة الحقيقية لا تُطلب، بل تُستحق.
من يركض وراءها بلا قيود أخلاقية قد يحقق مآربًا قصيرة الأجل، لكنه يخسر شيئًا أعظم: احترام الذات، وصدق النص، وطمأنينة الضمير.
أما من يصبر على الطريق الطويل، ويعطي الأولوية للإبداع على الاعتراف، فسيجد أن الاحترام يتولد تلقائيًا، وأن الكلمة الصادقة هي ما يخلّد، لا المظاهر أو التملق أو الضوضاء حول الاسم.
في الختام، يظل الوسط الثقافي بحاجة دائمة إلى الوعي بالحدود الفاصلة بين الإبداع والتمثيل، بين الاعتراف والتمويه.
على كل مبدع أن يراجع نفسه، لا عن خوف من النقد وحده، بل حفاظًا على نزاهته الأدبية والإنسانية.
فالشهرة الحقيقية ليست في عدد الحاضرين حول النص، ولا في صخب الجوائز، بل في قدرة الإبداع على العيش بعد غياب من صنعوه، وفي أثر الكلمة التي تقف صادقة أمام الزمن.

تعليقات
إرسال تعليق