خيري شلبي… سيرة العابر بين الهامش والمجد
خيري شلبي… سيرة العابر بين الهامش والمجد
حسن غريب
ثمة كتّاب يكتبون عن الناس، وثمة كتّاب يكتبون من داخل الناس. وخيري شلبي كان من الصنف الثاني؛ لم يكن يتأمل العالم من شرفة عالية، بل كان ينزل إلى الأزقة، يجلس على المصاطب، يُصغي لضحكة عابر، ويجمع من شظايا اليوميّ مادةً تتحوّل في يده إلى أدبٍ نابض.
الكاتب الراحل خيري شلبي لم يكن مجرد روائي غزير الإنتاج، بل كان مشروعًا إنسانيًا متكاملًا. عاش منحازًا للهامش، للفقراء، للمنسيين، لأولئك الذين لا تكتب عنهم الصحف إلا في سطور عابرة. لكنه منحهم ما هو أبقى: منحهم الحضور في السرد، والكرامة في الحكاية.
سرّ الحارة… معمل الكتابة
أحد أسرار عالم خيري شلبي أنه لم يتعامل مع “الحارة” كديكور، بل ككائن حي. كانت الحارة عنده بطلة، شاهدة، ومخبرًا اجتماعيًا يكشف تناقضات المجتمع المصري. في رواياته – من “وكالة عطية” إلى “الوتد” – لا نجد شخصيات مصنوعة بعناية باردة، بل بشرًا يتحركون بحرارة الواقع، بخطاياهم الصغيرة، وبطولاتهم الخفية.
في وكالة عطية تتجلى قدرته على تحويل مكان بسيط إلى كونٍ كامل. وكالة مهملة تصبح مسرحًا تتقاطع فيه المصائر، وتتشابك الحكايات، وكأننا أمام بانوراما اجتماعية تُكتب بمداد التعاطف لا الإدانة.
أما في الوتد فنحن أمام ملحمة الأم المصرية الصلبة، تلك التي تبدو بسيطة لكنها تمسك بخيوط العالم داخل بيتها. لم يكن شلبي يسخر من شخصياته، حتى حين يرصد سذاجتها؛ كان ينظر إليها بعين العارف بأن الإنسان أكبر من خطئه.
اللغة… بين الفصحى ونبض الشارع
من أسرار تفرده قدرته على تطويع اللغة. لم يتعالَ على العامية، ولم يُسقِط الفصحى في فخّ الجمود. صنع منطقة وسطى، لغة لها عرق الشارع وأناقة السرد. تقرأه فتشعر أن الكلمات خرجت للتو من فم بائع شاي أو حكّاء مقهى، لكنها في الوقت ذاته مشذّبة بإيقاع فني دقيق.
كان يؤمن أن اللغة ليست زينة بل أداة كشف. لذلك لم يكن يكتب ليتباهى، بل ليُسمِع صوتًا خافتًا. وربما لهذا السبب بقي قريبًا من القرّاء، بعيدًا عن النخبويّة المصطنعة.
الوثيقة والخيال… مزجٌ بلا ضجيج
من يقرأ خيري شلبي يلاحظ أنه يجمع بين الحسّ التوثيقي والخيال الخصب. كان باحثًا في التراث الشعبي، مغرمًا بالسير والحكايات الشفاهية، وكأنّه يخشى أن تضيع تلك الذاكرة الجمعية في زحام العصر. لكنه لم يقدّمها كوثيقة جامدة؛ بل أعاد خلقها في قالب روائي حي.
هنا يكمن سرّ آخر: لم يكن يهرب إلى الماضي، بل يستحضره ليحاكم الحاضر. كان يدرك أن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد بوصلتها.
الإنسان قبل الأيديولوجيا
لم يكن شلبي كاتب شعارات. لم يرفع لافتات سياسية صاخبة، لكنه كتب ما هو أعمق من الشعار: كتب الإنسان في ضعفه وقوته، في طمعه وزهده، في بحثه الدائم عن معنى. لذلك تجاوزت أعماله زمنها؛ لأنها لم ترتبط بلحظة سياسية عابرة، بل بالوجدان الإنساني الدائم.
كان يعرف أن الأدب ليس بيانًا حزبيًا، بل مرآة متكسّرة تعكس أوجهًا متعددة للحقيقة.
العزلة الصاخبة
من يتأمل سيرته يدرك أنه عاش عزلة من نوع خاص؛ عزلة الكاتب الذي يختلط بالناس ليكتب عنهم، ثم يعود إلى صمته ليعيد تشكيلهم على الورق. لم يكن نجم صالونات بقدر ما كان ابن المقهى الشعبي، ابن السكة الحديد، ابن الريف الذي لا يغادر الذاكرة.
وربما هذا ما جعل حضوره مستمرًا بعد الرحيل؛ لأنه لم يكن صوتًا طارئًا، بل جذعًا ضاربًا في تربة المكان.
لماذا يبقى خيري شلبي؟
يبقى لأنه لم يخن شخوصه. لم يجمّلهم ليُرضي ذائقة عابرة، ولم يشوّههم ليصنع صدمة مفتعلة. كتبهم كما هم، بحبّ واضح وإن لم يُصرّح به.
يبقى لأنه آمن أن الهامش ليس أقل شأنًا من المركز، وأن الحكاية البسيطة قد تحمل حكمة أمة كاملة.
ويبقى لأنه كتب بروح تعرف أن الأدب، في جوهره، فعل إنقاذ للذاكرة من النسيان.
خيري شلبي لم يترك لنا مجرد روايات، بل ترك لنا أرشيفًا إنسانيًا حيًا. كلما ضاقت بنا المدينة الحديثة ببرودها، عدنا إلى عالمه لنستعيد حرارة البشر. وكأننا حين نقرأه لا نفتّش عن الماضي، بل نفتّش عن أنفسنا.

تعليقات
إرسال تعليق