بين المائدة والشاشة: أسرارك وحدود الثقة في عالم متعدد الوجوه

 بين المائدة والشاشة: أسرارك وحدود الثقة في عالم متعدد الوجوه

حسن غريب 

كاتب ناقد 


تُعدّ الخدمة العسكرية تجربة فريدة تكشف عن ألوان البشر المختلفة: الجدعان، والنصابون، والمصلحجية، ومن يمشي على مبدأ "هات وخد"، ومن يقدم لك المساعدة بلا مقابل، ومن يرقص معك على ألحان الحياة. كل هؤلاء يظهرون خلال فترة محدودة، وتكون العلاقة معهم أحيانًا مجرد مشاركة يومية وليست صداقة حقيقية.

تعلّمت من ضابط احتياطي صديق نصيحة غالية بعد أن خسر ثقته في بعض الوجوه:

"يا حسن، كل من تعرفهم في الخدمة العسكرية هم معارف 'قروانة'. يشاركونك المائدة والوقت، لكن العلاقة معهم محدودة بزمن التجربة نفسها. ضع حدودًا واضحة لكل شخص تتعامل معه."

هذه الحكمة تتجاوز حدود الخدمة العسكرية، لتصبح قاعدة مهمة في حياتنا اليومية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يختبئ الكثير خلف شاشاتهم، مشاعرهم وأهدافهم غالبًا ضبابية، وأحيانًا نكتشف نواياهم الحقيقية متأخرة.

في هذا الإطار، تظهر قاعدة أساسية أخرى: لا تبوح لأحد بأسرارك مهما كان، ولا تدافع عن أحد، وتجاهل كل ما تراه لا يفيدك، وألقِ خلف ظهرك كل ما لا يفيدك.

 فكل العلاقات غالبًا ما تكون مبنية على مصالح، وكل شخص يغني على نفسه قبل أن يغني لك.

وحذارِ من الناس، فالأصدقاء أحيانًا يصبحون أعداء، والعدو الواحد أقل ضررًا من صديق ألف مرة. فصديق اليوم قد يكون عدو الغد، وحقيقته تظهر كما يظهر زبد البحر: سرعان ما يتلاشى وتنكشف ملامحه ووجهاته.

حتى زملاؤك في العمل، بعدما تنتهي فترة عملك أو تنتقل لمكان آخر أو تتقاعد، سينسوك تمامًا، لأن المصالح والسبوبة انتهت، وما كان يبدو صداقة أو وفاءً في وقتها، يصبح مجرد ذكرى عابرة.

الدرس واضح: ميز بين الأصدقاء الحقيقيين والمعارف المؤقتة، ضع حدودًا تحمي وقتك وطاقة قلبك، وكن واعيًا في تعاملك سواء كان الشخص أمامك مباشرة أو خلف شاشة الهاتف.

 اعرف حدودك، احمِ نفسك، وثق بعقلك قبل قلبك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة