هاروكي موراكامي: حين يخلع الكاتب تاج العبقرية
هاروكي موراكامي: حين يخلع الكاتب تاج العبقرية
حسن غريب
في زمنٍ تُصنع فيه الهالات سريعًا حول الكتّاب، ويُدفع بهم إلى مصاف “العباقرة” و”الأساطير”، يخرج هاروكي موراكامي ليقول ببساطة مربكة: “لست فنانًا، ولا عبقريًا، ولا اجتماعيًا.”
عبارة تبدو للوهلة الأولى ضربًا من التواضع الياباني المألوف، لكنها في العمق موقف فكري وجمالي يستحق قراءة متأنية.
تفكيك صورة “الكاتب الاستثنائي”
لطالما التصق بموراكامي لقب الكاتب العالمي الذي تخطّى حدود اللغة والثقافة، خاصة منذ رواياته الأشهر مثل كافكا على الشاطئ والغابة النرويجية و1Q84. أعمال تُرجمت إلى عشرات اللغات، وأعادت تعريف العلاقة بين الواقعي والغرائبي، بين اليومي والحلمي.
ومع ذلك، يرفض موراكامي أن يُنظر إليه بوصفه “فنانًا” بالمعنى المتعالي للكلمة. كأنه يقول: أنا لا أعتلي منصة، ولا أوزّع الحكمة من علٍ، بل أكتب… فقط أكتب.
هذا النفي ليس إنكارًا لقيمة ما يفعل، بل رفضٌ للصورة الرومانسية التي تُحمّل الكاتب أكثر مما يحتمل.
الكتابة كعمل يومي لا كمعجزة
من يتأمل سيرة موراكامي يدرك أنه أقرب إلى الرياضي منه إلى “الفنان الملهم”. يستيقظ مبكرًا، يكتب لساعات محددة، يجري لمسافات طويلة، يكرر الروتين نفسه بانضباط صارم. لا ينتظر الإلهام، ولا يتغذّى على الفوضى.
هو يؤمن بأن الرواية تُبنى كما تُبنى اللياقة البدنية: بالتكرار، بالصبر، وبالعمل المتواصل.
في هذا السياق، يصبح قوله “لست عبقريًا” إعلانًا مضادًا لأسطورة الموهبة الفطرية الخاطفة. كأنما يريد أن يقول للشباب الحالمين: الأدب ليس ومضة سماوية، بل مسار طويل من الانضباط والإنصات الداخلي.
العزلة بوصفها شرطًا للرؤية
أما وصفه لنفسه بأنه “غير اجتماعي”، فهو اعتراف لا يخلو من صدق عارٍ.
شخصيات موراكامي غالبًا ما تعيش على الهامش: رجال وحيدون، نساء غامضات، أشخاص يتحركون بين عالمين دون أن ينتموا تمامًا لأيٍّ منهما. هذه العزلة ليست عرضًا جانبيًا في نصوصه، بل جوهر الرؤية.
العزلة عند موراكامي ليست انسحابًا من العالم، بل طريقة خاصة لفهمه. الكاتب المنسحب قليلًا يستطيع أن يرى التفاصيل التي يغفلها المنخرطون في الصخب. لذلك لا تبدو وحدته مرضًا، بل أداة كشف.
بين الواقع واللاوعي
يُعرف موراكامي بقدرته على إدخال القارئ إلى مناطق شبه حلمية: آبار عميقة، قطط تختفي، عوالم موازية، موسيقى جاز تتسلل بين السطور. لكنه يفعل ذلك بلغة بسيطة، شبه شفافة، تخلو من التعقيد المتكلف.
هذا التناقض – بساطة الأسلوب وعمق الرمز – هو سر جاذبيته.
إنه لا يكتب ليُبهر، بل ليخلق مساحة صمت بينه وبين القارئ. مساحة يمكن لكل قارئ أن يملأها بتجاربه الخاصة.
رفض النرجسية الأدبية
في عالم أدبي يزداد استعراضًا، تبدو كلمات موراكامي موقفًا أخلاقيًا بقدر ما هي موقف جمالي.
هو يرفض أن يكون “النبي”، ويرفض أن يُحاصر في صورة العبقري المتعالي. ربما لأنه يدرك أن الأدب الحقيقي لا يحتاج إلى ألقاب، بل إلى صدق.
حين يقول “لست فنانًا”، فهو يحرّر نفسه من عبء الصورة.
وحين يقول “لست عبقريًا”، فهو يعيد الاعتبار للكدّ والعمل.
وحين يعترف بأنه “غير اجتماعي”، فهو يمنح الشرعية لأولئك الذين يعيشون في الظل ويظنون أن أصواتهم أقل أهمية.
خاتمة
ليست قوة موراكامي في إنكاره، بل في ما يكشفه هذا الإنكار من تواضع واعٍ.
هو لا ينفي موهبته، بل يعيد تعريفها. لا يرفض الفن، بل يجرّده من الغرور. لا يتبرأ من العزلة، بل يحوّلها إلى مساحة تأمل.
ربما لهذا السبب تحديدًا ظلّ هاروكي موراكامي حاضرًا في وجدان قرّائه حول العالم: لأنه لا يدّعي أنه استثنائي، ومع ذلك يكتب أدبًا استثنائيًا.
وفي النهاية، قد يكون أعظم ما فعله موراكامي أنه أقنعنا بأن الأدب ليس صرخة عبقرية في وجه العالم، بل همسة صادقة في أذن القارئ.

تعليقات
إرسال تعليق