سقوط الضحك: حين تتحول المقالب إلى ساحة لإهانة البشر
سقوط الضحك: حين تتحول المقالب إلى ساحة لإهانة البشر
حسن غريب
ما يُقدَّم اليوم تحت لافتة “الترفيه” لم يعد يحتمل المجاملة ولا اللغة الرمادية. المسألة تجاوزت حدود الاختلاف في الذوق، ودخلت منطقة العبث الصريح بالقيم. ما نراه في برنامج رامز ليفيل الوحش الذي يقدمه رامز جلال ليس “مقلبًا” بالمعنى البسيط، بل عرضًا متكررًا لإذلال إنسان أمام الكاميرا، ثم تسويقه باعتباره مادة للضحك.
أي ضحك هذا الذي يقوم على الخوف؟
أي خفة ظل تلك التي تتغذى على الصراخ والارتباك والإهانة اللفظية؟
لقد قال الإعلامي محمد علي خير ما يشبه الصرخة حين وصف البرنامج بالسخيف، لكنه في الحقيقة كان مهذبًا أكثر مما ينبغي. لأن ما يحدث ليس مجرد “سخف”، بل انحدار مهني وأخلاقي مكتمل الأركان.
اللغة المستخدمة في بعض الحلقات لا تليق ببرنامج مدرسي، فكيف بشاشة تدخل كل بيت؟ مفردات سوقية، استعراض لفظي قائم على التقليل من الضيف، وتعامل أقرب إلى الاستعراض الاستعلائي منه إلى الدعابة.
الأخطر من ذلك أن الفكرة نفسها ماتت منذ سنوات، لكن الجسد ما زال يُعاد تحريكه كل رمضان. نفس الصدمة، نفس الصراخ، نفس البناء الدرامي المصطنع، حتى بات المشاهد يحفظ السيناريو قبل أن يبدأ. نحن أمام نسخة مكررة من نفسها، بلا تطور، بلا ذكاء، بلا احترام لعقل الجمهور.
ثم نصل إلى السؤال الأكثر إيلامًا: لماذا يقبل الضيوف؟
الإجابة يعرفها الجميع، لكن قليلين يجرؤون على قولها. المال.
وهنا تتحول المأساة إلى مهزلة: كرامة تُباع بالدولار، ولقطة إذلال تُختصر في رقم على عقد. لكن هل يبرر المقابل المادي كل شيء؟ هل يصبح من المقبول أن يُمسح بالهيبة أرضًا لأن الشيك جاهز؟
ليست القضية عداءً لشخص، ولا رفضًا لفكرة المقالب من حيث المبدأ. المقلب يمكن أن يكون ذكيًا، مفاجئًا، ممتعًا، دون أن يتحول إلى حفلة تنمّر علني. الفارق شاسع بين دعابة خفيفة وامتهان متعمد.
الفارق بين ضحك مشترك وضحك على حساب إنسان.
إن استمرار هذا النوع من البرامج بهذه الصيغة يكشف خللًا أعمق: تراجع معيار الذوق العام، وتطبيع لغة لم نكن نقبلها قبل سنوات. وحين تصبح الإهانة مادة تسويقية، فإن المشكلة لم تعد في برنامج بعينه، بل في مناخ إعلامي يسمح بذلك ويكافئه بنسبة مشاهدة أعلى.
الهجوم هنا ليس بدافع التشفي، بل بدافع الغضب على ما آلت إليه الصورة. لأن الشاشة ليست مجرد وسيلة للربح، بل مسؤولية ثقافية وأخلاقية. وحين تسقط هذه المسؤولية، يسقط معها معنى “الترفيه” نفسه.
إن لم تتوقف هذه الدوامة، فسنصل إلى مرحلة يصبح فيها كل شيء مباحًا ما دام يُضحك لحظة. وعندها لن يكون السؤال: هل البرنامج سخيف؟
بل سيكون السؤال: كيف سمحنا أن يصبح الابتذال معيارًا، وأن تتحول الكرامة إلى مادة استهلاكية موسمية؟
الضحك قيمة إنسانية نبيلة.
لكن حين يُنتزع من روحه، ويتحوّل إلى سوط، فإنه لا يبهج أحدًا… بل يفضحنا جميعًا.

تعليقات
إرسال تعليق