بين المنصّة والكواليس عن الجوائز والمؤتمرات الأدبية في مصر والوطن العربي

 بين المنصّة والكواليس  عن الجوائز والمؤتمرات الأدبية في مصر والوطن العربي

بقلم: حسن غريب


ليس الحديث هنا جلدًا للذات، ولا تعميمًا ظالمًا، ولا إنكارًا لوجود نماذج مشرّفة.

 في مصر، كما في سائر الوطن العربي، هناك قامات نزيهة، ولجان محترمة، وتجارب حقيقية تُنصف الإبداع. 

لكن، وبكل أسف، هناك أيضًا ظلال كثيفة لا يمكن تجاهلها.

في بعض الأوساط الثقافية، لم تعد الجائزة تتعلق بالنص وحده، ولا المؤتمر بالكفاءة وحدها، ولا الأمسية بالموهبة وحدها. 

صار هناك ما يشبه “الطريق المختصر”: علاقات، توصيات، تربيطات، شللية تتبادل الأدوار والمواقع.

في القاهرة، كما في عواصم عربية أخرى، تتكرر المشاهد نفسها:

نفس الأسماء في القوائم القصيرة.

نفس الوجوه على المنصات.

نفس الدوائر المغلقة تتسع لأعضائها فقط.

ليس لأن الإبداع حكر عليهم، بل لأن شبكة العلاقات أحيانًا أقوى من قوة النص.

الكاتب الشاب في مدينة بعيدة بمنطقة نائية على تخوم حدود مصر مثل شمال سيناء التي تنأى عن العاصمة أكثر من ستمائة كيلو متر، أو في صعيد مصر أو في أطراف المغرب أو في ريف العراق، يكتب نصًا صادقًا من قلب التجربة.

 لكنه لا يعرف أحدًا في “المشهد”.

 لا يحضر الصالونات، ولا يشارك في معارض الكتاب وإن شارك فعلى نفقته نوما وطعاما وسفراء أو من يقيمون  الولائم الثقافية، ولا يملك أرقام أعضاء اللجان.

 فيجد نفسه خارج الضوء، لا لضعف في قلمه، بل لغياب اسمه عن دفاتر العلاقات.

هنا يتسلل الإحباط.

وهنا يبدأ السؤال المؤلم:

هل أحتاج إلى موهبة… أم إلى معارف؟

الفساد الثقافي لا يكون دائمًا فجًا.

 نادرًا ما يكون مالًا يُدفع علنًا. أحيانًا يكون وعدًا بمنصب. أحيانًا يكون تصويتًا متبادلًا بين أعضاء لجان يعرف بعضهم بعضًا منذ سنوات. أحيانًا يكون مجاملة ثقيلة لا يستطيع أحد كسرها.

ومع الوقت، يتحول هذا السلوك إلى “طبيعة الأمور”.

يصبح الاعتراض خروجًا عن الصف.

ويُنظر إلى من يرفض اللعبة كأنه حالم ساذج.

لكن الخطر لا يقع على الكاتب وحده.

الخطر الأكبر على الذائقة العامة. 

حين تُمنح الجوائز بغير استحقاق كامل، يُعاد تشكيل مفهوم “الأفضل”. 

القارئ يثق في العمل الفائز، والمؤسسات تروّج له، فيتحول إلى معيار. 

وهكذا يُعاد تعريف الجودة وفق ميزان العلاقات لا ميزان الفن.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نغرق في اليأس.

لأن الحقيقة أيضًا أن كثيرًا من النصوص العظيمة في مصر والوطن العربي خرجت من الهامش، لا من المنصات.

وكثير من الأسماء التي تملأ اليوم كتب التاريخ الأدبي لم تكن يومًا مدللة في المؤتمرات.

المنصب ينتهي بانتهاء الدورة.

المؤتمر يُطوى ملفه بعد أيام.

الجائزة تُعلّق على الحائط وتبهت.

لكن النص الصادق يظل حيًا، يتنفس بين القراء، ويجد طريقه ولو بعد حين.

المطلوب ليس الهدم، بل الإصلاح:

– شفافية حقيقية في معايير التحكيم.

– إعلان تضارب المصالح إن وجد.

– تدوير فعلي للمسؤوليات لا تبادلًا مغلقًا.

– فتح المجال للأصوات الجديدة من خارج الدوائر المعتادة.

الثقافة في مصر والوطن العربي أوسع من أي شلّة، وأكبر من أي لجنة.

هي تراكم أجيال، وعرق كتّاب مجهولين، وصبر مبدعين كتبوا لأنهم يحبون الكتابة، لا لأنهم ينتظرون منصة.

في النهاية، قد تُقصى من جائزة،

وقد تُستبعد من مؤتمر،

وقد لا يُدْعَى اسمك إلى أمسية…

لكن إن بقي نصك صادقًا،

فأنت لم تخسر.

الخسارة الحقيقية ليست فقدان لقب،

بل فقدان الحرية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة