يوسف القعيد… حين يتحوّل الريف إلى ضميرٍ يمشي على قدمين

 يوسف القعيد… حين يتحوّل الريف إلى ضميرٍ يمشي على قدمين

حسن غريب 


في الصورة جلسة تبدو عابرة: أحاديث جانبية، أكواب ماء، وجوه تنصت وأخرى تبتسم. لكن حين يكون الجالس في القلب هو يوسف القعيد، فإن العابر يصير دالًّا، وتغدو الجلسة بابًا إلى عالم ممتلئ بالأسرار الصغيرة التي تصنع أدبه الكبير.

يوسف القعيد ليس مجرد روائي كتب عن الريف، بل هو ريفٌ يتكلم. ابن الأرض الطينية التي تعلّق برائحة العرق والقمح والماء الراكد في الترع. في كتابته لا نجد الريف بطاقة تعريف جغرافية، بل كائنًا حيًا: له ذاكرة، وله غضب، وله حنين لا يهدأ. من هنا يمكن أن نفهم لماذا بدت أعماله دائمًا مشبعة بصوت الناس البسطاء، كأنهم هم الذين يمسكون بالقلم لا هو.

سرّ الصوت المنحاز

أكبر أسرار القعيد أنه لا يكتب من علٍ. لا يتخذ موقع القاضي، ولا يتعالى بمصطلحات ثقيلة. يقترب، يجلس على المصطبة، يسمع، ثم يعيد صياغة الحكاية بروح من عاشها. في رواياته الشهيرة مثل الحرب في بر مصر ويحدث في مصر الآن، لا نقرأ وقائع فقط، بل نقرأ انكسارات مجتمع بأكمله. الحرب ليست حدثًا عسكريًا، بل اختبارًا أخلاقيًا. واللحظة السياسية ليست عنوانًا في جريدة، بل جرحًا في جسد القرية.

القعيد يفضح الظلم بهدوء. لا يصرخ، بل يترك الوقائع تتكلم. وهذه واحدة من حيله الفنية: أن يجعلك تكتشف الفاجعة بنفسك. كأنك تمشي في طريق مألوف، ثم تكتشف فجأة أن الأرض تحت قدميك ليست صلبة كما ظننت.

الكتابة بوصفها كشفًا للطبقات الخفية

في عالم القعيد، كل شخصية تحمل سرًّا. الفلاح الذي يبدو بسيطًا يخفي حيرة وجودية. العمدة الذي يمسك بالخيوط تحاصره مخاوفه. الجندي الغائب حاضرٌ كظلّ ثقيل فوق البيوت. هناك دائمًا طبقة تحت السطح، وهذا ما يمنح نصوصه كثافتها.

هو لا يكتب عن القرية بوصفها فردوسًا مفقودًا، ولا بوصفها جحيمًا مطلقًا. يكتبها كما هي: خليطًا من الطيبة والقسوة، من التضامن والخذلان. وربما كان هذا التوازن هو سر بقائه في الذاكرة؛ لأنه لم يخن الواقع بإغراء التجميل، ولم يسقط في فخ التشويه.

الإنسان أولًا… دائمًا

حين تقرأ يوسف القعيد تشعر أنه منحاز للإنسان قبل أي شيء. السياسة عنده تمر عبر القلب. القرارات الكبرى تُقاس بمدى ما تتركه من أثر في بيتٍ صغير على حافة الحقل. لذلك تبدو رواياته وثائق شعورية بقدر ما هي شهادات اجتماعية.

ثمة حزن شفيف يمر في نصوصه، لكنه ليس حزنًا مستسلمًا. إنه حزن العارف بأن الكلمة يمكن أن تكون مقاومة. أن السرد ليس حكاية للتسلية، بل محاولة لفهم ما حدث ولماذا حدث، وربما لتخفيف وطأته.

سرّ الحضور الإنساني

في اللقاءات والندوات، يبدو القعيد بسيطًا، قريبًا، منصتًا أكثر مما يتكلم. وهذا جزء من سرّه أيضًا: الكاتب الذي يعرف أن الأدب يبدأ بالإنصات. في الجلسات التي تشبه الصورة، لا يكون محورًا للضوء بقدر ما يكون محورًا للحوار. يفتح المساحات للآخرين، كأنه يؤمن أن الحكاية لا تكتمل إلا بتعدد الأصوات.

بين الذاكرة والضمير

يوسف القعيد كتب عن مصر التي لا تظهر في الصور الرسمية. كتب عن المسكوت عنه، عن التحولات الصامتة، عن أثر السلطة في تفاصيل الحياة اليومية. لذلك تبدو أعماله اليوم أشبه بمرآة طويلة، كلما نظرنا فيها اكتشفنا شيئًا من وجوهنا القديمة.

سرّه الأكبر ربما أنه لم ينفصل عن جذوره، ولم يبدّل جلده ليواكب موجة عابرة. ظل وفيًا لأسئلته الأولى: من يدفع الثمن؟ ومن يكتب التاريخ؟ ومن يسمع صوت الذين لا صوت لهم؟

في عالم يميل إلى الضجيج، ظل يوسف القعيد يراهن على الحكاية الصادقة. على الجملة التي تمشي على مهل، لكنها تصل. وربما لهذا سيبقى عالمه مفتوحًا على القرّاء؛ لأنهم حين يدخلونه، لا يشعرون أنهم غرباء، بل كأنهم يعودون إلى بيت قديم يعرف أسماءهم واحدًا واحدًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة