قصيدة على جسدها مرت الحروب
على جسدها مرّت الحروب
قصيدة نثر
حسن غريب أحمد
شاعر ناقد مصري
لمّا تهشَّمَ فجرُ الجنينةِ في الدماءِ وصارَ صوتُ الرعدِ أعلى من دعاءِ الأمهاتْ كانتْ هناكَ امرأةٌ تمشي على كسرِ الضلوعِ وتسألُ الظلَّ الوحيدَ: أما تعبتَ من الوقوفِ على الخراب؟
أربعةُ الظلِّ الثقيلِ جاؤوا بلا وجهٍ ولا اسمٍ ولا قلبٍ ولا خوفٍ من اللهِ القديمْ غطّوا السماءَ على عينيها وقالوا: لا تبكي فالبكاءُ جريمةٌ في دفترِ القتلةْ
قيدوا الحياةَ إلى الحياةِ وانتهكوا المعنى وكانَ الجسدُ— يا للخسارة— أرضًا بلا جيشٍ ولا علمٍ ولا نشيدْ
ثمّ تركوها نصفَ امرأةٍ نصفَ سؤالٍ نصفَ موتٍ على حافةِ الليلِ تعدُّ أنفاسها كي لا تموتْ
بعد أسابيعَ جاءَ القدرُ في هيئةِ نبضٍ صغيرْ قالَ: أنا الحياةُ رغم كلِّ هذا السوادْ
فارتبكتْ كيفَ يُولدُ الضوءُ من رحمِ الجريمة؟
كيفَ يُزهرُ القمحُ في حقلِ السكاكين؟
قالوا لها: هذه ابنتكِ قالت: أعرف لكنَّ في القلبِ فرقًا بينَ ما نحبُّ وما يوقظُ فينا الوجعَ كلَّ صباحْ
تحملُها فتشمُّ رائحةَ الغيابْ ترضعُها فتبكي الذاكرةْ تنامُ الصغيرةُ ويصحو السؤالُ الكبيرْ
يا مريمُ— وأنتِ الاسمُ الذي نجا من فمِ النار— لستِ ذنبًا ولا شاهدَ إدانةْ أنتِ امتحانُ الرحمةِ في زمنٍ سقطتْ فيهِ المرايا
وبقيَ الدمُ صريحًا
قالتْ لها الأمُّ: سامحيني إن ارتعشتْ يدايَ فالزلزالُ لم يخرجْ بعدُ من عظامي سامحيني إن رأيتُ في ملامحكِ ظلَّ الذينَ مرّوا ثمَّ لم يرحلوا
وفي الخرائطِ الجديدةْ كانتْ أجسادُ النساءِ حدودًا متحركةْ وساحاتِ قتالْ وكانَ الصمتُ أكبرَ المتواطئينْ
أيها العالمُ كم تحتاجُ من دموعٍ كي تصدّق؟
وكم تحتاجُ من أرحامٍ مكسورةٍ لتقول: هذا كثيرْ؟
لكنَّ امرأةً من الجنينةْ علّمتنا أن الحياةَ قد تخرجُ من فمِ الوحشِ وتظلُّ حياةْ
وأن الأمومةَ ليستْ نسيانًا
بل شجاعةُ التذكّرِ دونَ أن نموتْ

تعليقات
إرسال تعليق