إبراهيم أصلان ذلك الرجل الذي كان يصغي إلى أنفاس الحياة

 إبراهيم أصلان


ذلك الرجل الذي كان يصغي إلى أنفاس الحياة


حسن غريب 

لم يكن إبراهيم أصلان كاتبًا يطرق الأبواب بعنف، ولا صوتًا مرتفعًا في سوق الأدب الصاخب. كان أشبه برجل يجلس في طرف المقهى، ينصت أكثر مما يتكلم، يلتقط ما لا يراه الآخرون، ثم يعود إلى بيته ليكتب العالم كما رآه بعيني قلبه، لا بعينيه فقط.

حين نقرأه نشعر أننا لا نقرأ حكاية، بل نقترب من حياة كاملة، من نبض خافت يسكن تفاصيل عابرة: نظرة عجوز، تنهيدة موظف، ظل شجرة عند الغروب. كان يعرف أن الدراما الحقيقية لا تسكن الانفجارات الكبرى، بل تقيم في تلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ عادة بلا انتباه.

سرّه الأول: إنسانيته قبل فنه

أصلان لم يكن مشغولًا بإبهار القارئ، بل بملامسة روحه. كان يكتب عن الإنسان كما هو: هشًّا، مرتبكًا، حالِمًا رغم الخيبات. شخصياته لا تصرخ، لا ترفع شعارات، لكنها تظلّ واقفة في مواجهة الحياة، بعناد صامت.

في روايته الأشهر مالك الحزين، التي عرفها الجمهور عبر فيلم الكيت كات، لم يكن البطل مجرد شخصية روائية، بل روحًا شعبية كاملة، تتأرجح بين السخرية والألم. كان الضحك عنده طريقة لمقاومة القهر، وكان الحلم ملاذًا أخيرًا لمن لا يملك شيئًا.

سرّه الثاني: الكتابة كنوع من الإصغاء

كان أصلان يصغي للحياة قبل أن يكتبها. ربما لهذا جاءت لغته هادئة، خالية من الزخرف المتكلف. لم يكن يميل إلى الجمل المتضخمة، بل إلى العبارة التي تبدو عادية، لكنها تخبئ وجعًا أو حكمة أو سؤالًا مفتوحًا.

إنه من القلائل الذين أدركوا أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام. كم من جملة عنده تنتهي بنقطة، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا طويلًا للتأمل. كان يثق بالقارئ، يترك له مساحة ليشعر، ليكمل، ليشارك في صنع المعنى.

سرّه الثالث: وفاؤه للهامش

كتب عن الناس الذين لا يكتب عنهم أحد. عن موظفين صغار، عن عاطلين، عن نساء يتحملن أعباء الحياة دون شكوى. لم يجعلهم موضوعًا للشفقة، بل منحهم كرامتهم الإنسانية الكاملة.

الهامش عنده لم يكن هامشًا. كان مركزًا نابضًا بالحياة. كان يعرف أن التاريخ الرسمي لا يحفظ أسماءهم، فقرّر أن يحفظهم الأدب.

بين العزلة والصدق

لم يكن إبراهيم أصلان من كتّاب الأضواء. لم يسعَ إلى صخب الشهرة، ولم يلاحق المنابر. عاش بهدوء يشبه هدوء كتابته. وربما كانت هذه العزلة جزءًا من نقائه؛ إذ لم تتلوث لغته بضجيج المجاملات أو استعراض القوة.

كان صادقًا مع نفسه قبل أن يكون صادقًا مع قارئه. لم يكتب ما يرضي السوق، بل ما يرضي ضميره الفني والإنساني.

لماذا لا نعرفه كاملًا؟

لأن عالمه لا يُكشف دفعة واحدة. كل قراءة تكشف جانبًا جديدًا. كل عودة إلى نصوصه تضيء زاوية كانت معتمة. إنه من الكتّاب الذين يكبرون معنا، كلما نضجنا اكتشفنا فيهم معنى آخر.

ربما هذا هو سره الأعمق: أنه لم يكتب زمنًا محددًا، بل كتب الإنسان. والإنسان لا ينتهي، ولا يُستنفد.

كلمة أخيرة

إبراهيم أصلان لم يكن مجرد روائي مصري كبير، بل كان شاهدًا حنونًا على وجع الناس وأحلامهم الصغيرة. علّمنا أن الأدب لا يحتاج إلى صخب كي يكون عظيمًا، ولا إلى شعارات كي يكون مؤثرًا.

ترك لنا نصوصًا تشبهه: هادئة، عميقة، وصادقة. نصوصًا حين نغلقها لا نشعر أننا أنهينا قراءة كتاب، بل أننا ودّعنا صديقًا كان يحدثنا عن أنفسنا… بلطف، وبمحبة، وبقدر كبير من الإنسانية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة