نقدُ النقد بين سلطة الحُجّة وضجيج الادعاء
نقدُ النقد بين سلطة الحُجّة وضجيج الادعاء
حين يُواجَه نقدُ النقد بالتهرّب: في تشخيص أزمة الخطاب النقدي العربي
حسن غريب أحمد
ناقد باحث مصري
ليس غريبًا أن يثير نقدُ النقد حساسية مضاعفة؛ فهو لا يكتفي بمساءلة النص الإبداعي، بل يمدّ يده إلى الجهاز المفاهيمي والمنهجي الذي اشتغل به الناقد.
وحين تأتي الردود على نقد النقد غير مقنعة، أو منزاحة إلى تعليقات شخصية وساخرة، فإن المسألة لا تعود اختلافًا في الذائقة، بل تكشف خللًا أعمق في بنية الحوار النقدي ذاته.
التباس الموقع بين الناقد والمنهج
نقدُ النقد يفترض تمييزًا واضحًا بين ثلاثة مستويات: النص، وقراءة النص، وأدوات القراءة.
غير أن بعض الردود تختزل المسألة إلى دفاع عن “الناقد” لا عن “المنهج”، فتتحول المداخلة إلى حماية رمزية للشخص بدل تفكيك علمي للطرح.
وهنا يتراجع النقاش من مستوى المفاهيم إلى مستوى الولاءات، ويُستبدل السؤال المعرفي بسؤال شخصي.
هشاشة الوعي بالمدارس النقدية
حين يُستدعى اسم مدرسة – البنيوية، التفكيكية، التداولية، السيميائية – دون وعي بإجراءاتها، يصبح المصطلح زينة لغوية لا أداة تحليل.
وقد أشار رولان بارت إلى أن النقد لا يستمد شرعيته من المصطلحات، بل من شبكة العلاقات التي يقيمها داخل النص.
كما بيّن جاك دريدا أن التفكيك ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة دقيقة تشتغل على البنية من داخلها.
وعليه، فإن الرد غير المقنع غالبًا ما يكون نتيجة عجز عن تحويل المرجعية النظرية إلى إجراء تطبيقي.
وحين يغيب الإجراء، يحضر الاستعراض.
المجاملة بوصفها آلية دفاع
في بعض البيئات الثقافية الضيقة يتكوّن ما يمكن تسميته “اقتصاد المجاملة”، حيث تصبح العلاقات الرمزية شبكة حماية متبادلة.
النقد اللاذع يُنظر إليه كتهديد، فيُواجَه لا بحجج مضادة، بل بتعليقات ساخرة أو التفاف لغوي يخفف حدته. هنا لا يكون الرد موقفًا معرفيًا، بل رد فعل اجتماعيًا دفاعيًا.
استعراض العضلات أم فقر الحجة؟
البلاغة ليست عيبًا؛ فالنقد كتابة أيضًا.
لكن حين تتحول البلاغة إلى بديل عن البرهنة، تغدو قناعًا يخفي هشاشة التحليل.
وقد ميّز تزفيتان تودوروف بين الخطاب الذي يشرح والخطاب الذي يلمّع؛ الأول ينتج معرفة، والثاني ينتج انطباعًا.
“الفزلكة” هنا ليست سوى تعويض لغوي عن نقص في الحجة.
فحين تعجز القراءة المضادة عن تفكيك أطروحة نقد النقد، تلجأ إلى تضخيم الأسلوب أو إلى شخصنة النقاش.
أدعياء النقد… حين يتحول اللقب إلى قناع
تتعمق الأزمة حين يظهر في المشهد من يمارس ما يمكن تسميته بادعاء النقد؛ إذ يتقمص بعضهم دور الناقد دون امتلاك أدواته المعرفية أو منهجه الإجرائي.
فالنقد ليس انطباعًا سريعًا، ولا حشدًا للمصطلحات، ولا تعليقًا ذوقيًا عابرًا، بل هو ممارسة لها أصولها الممتدة منذ تنظيرات أرسطو في فن الشعر، مرورًا بتحولات البنيوية، وصولًا إلى الأسئلة الفلسفية الحديثة.
أدعياء النقد غالبًا ما يتكئون على ثلاثة أوهام:
وهم المصطلح: تكديس المفاهيم بوصفه دليل عمق.
وهم المكانة: الاتكاء على الحضور الاجتماعي أو الأكاديمي بدل النص.
وهم البلاغة: تعويض فقر التحليل بزخرفة الأسلوب.
الخطورة هنا ليست في الضعف الفردي فحسب، بل في تشويش المجال الثقافي؛ إذ يختلط النقد المنهجي بالانطباعية، ويصبح المتلقي عاجزًا عن التمييز بين القراءة العلمية والكتابة الاستعراضية.
ماذا نسمّي هذه الظاهرة؟
يمكن توصيفها بـ:
الشخصنة الدفاعية.
التمويه الاصطلاحي.
التحالف الرمزي القائم على المجاملة.
الخطاب الانطباعي الذي يعلّق بدل أن يحلّل.
وهي كلها أعراض لأزمة أعمق: غياب ثقافة الحوار المعرفي الصارم.
كيف يستعيد نقد النقد شرعيته؟
بالتركيز على المنهج لا الأشخاص.
بتقديم شواهد تطبيقية دقيقة تكشف موضع الخلل.
بالفصل بين الحدة الفكرية والعدوانية الشخصية.
بالوعي أن نقد النقد ضرورة لتقويم الأدوات، لا خصومة شخصية.
إن وصف بعض الممارسات بالادعاء ليس انفعالًا، بل توصيفًا لحالة يغيب فيها المنهج وتحضر الدعوى. النقد الحقيقي لا يستعرض عضلاته، بل يبرهن؛ لا يتكئ على شبكة علاقات، بل على شبكة مفاهيم؛ ولا يهرب من المساءلة، بل يعتبرها شرطًا لتطوره.
أما ما عدا ذلك، فليس سوى ضجيج لغوي يُربك المشهد ولا يضيف إلى المعرفة شيئًا.

تعليقات
إرسال تعليق