بين التكرار والتحكيم: قراءة في مشهد الجوائز الأدبية في مصر تكرار الأسماء والاختيارات المؤسسية: ماذا يعني هذا للمواهب الشابة والقصة القصيرة؟

 بين التكرار والتحكيم:


قراءة في مشهد الجوائز الأدبية في مصر

تكرار الأسماء والاختيارات المؤسسية: ماذا يعني هذا للمواهب الشابة والقصة القصيرة؟


حسن غريب 

ناقد باحث روائي 



أثار قرار حجب المركز الأول في فرع القصة القصيرة للشباب بجائزة ساويرس الثقافية نقاشًا واسعًا في الأوساط الأدبية، تجاوز حدود المسابقة نفسها ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بمعايير التحكيم، وبطبيعة العلاقة بين الجوائز الأدبية والمشهد الإبداعي الراهن في مصر.

من حيث المبدأ، يظل حجب الجائزة حقًا مشروعًا للجنة التحكيم، إذا رأت أن الأعمال المتقدمة لا تحقق المستوى الفني الذي تستهدفه الجائزة. 

غير أن الإشكال لا يكمن في قرار الحجب ذاته، بل في دلالاته وسياقه، وفي ما يكشفه عن تصور محدد لفن القصة القصيرة وحدود المقبول فيه.

القصة القصيرة جنس أدبي شديد الخصوصية، يقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي وبناء الدلالة عبر الإيحاء لا الشرح. وهي، بحكم طبيعتها، أكثر قابلية للتجريب والمغامرة الشكلية مقارنة بالرواية. لذلك فإن إخضاعها لمعايير تقييم صارمة مستمدة من نماذج تقليدية قد يؤدي إلى استبعاد نصوص جادة، لمجرد أنها لا تنتمي إلى القالب المألوف.

وفي المقابل، يلاحظ المتابع لتاريخ الجوائز الأدبية تكرار فوز أسماء بعينها في فروع “الكبار”، وهو أمر يمكن تفسيره من زاويتين متباينتين: الأولى ترى فيه اعترافًا باستمرار منجز أدبي متماسك، والثانية تعتبره مؤشرًا على ميل ضمني إلى اختيار الأسماء المستقرة والآمنة، على حساب تجارب أخرى لا تقل جدية لكنها أقل حضورًا مؤسسيًا. 

هذا التوتر بين الاعتراف بالمشروع الأدبي المتراكم، والحاجة إلى تجديد المشهد، يضع لجان التحكيم أمام معادلة معقّدة يصعب حسمها بقرارات سريعة أو نماذج جاهزة.


تطوير آليات التحكيم

يمثّل تطوير آليات التحكيم أحد المفاتيح الأساسية للحفاظ على مصداقية الجوائز الأدبية ودورها الثقافي.

 أول مظاهر هذا التطوير يتمثل في تنويع لجان التحكيم، ليس فقط من حيث الأجيال، بل من حيث الخلفيات النقدية والمناهج الجمالية.

 وجود أصوات مختلفة في اللجنة يحدّ من هيمنة ذائقة واحدة، ويقلّل من الميل غير المقصود إلى تفضيل النصوص المألوفة أو الآمنة.

كما تبرز الحاجة إلى الوضوح في المعايير العامة للتقييم، عبر توضيح العناصر التي يُنظر إليها بوصفها محددات للجودة الفنية: البناء، اللغة، الرؤية، الابتكار، والوعي بالجنس الأدبي.

 هذا الإفصاح لا يقيّد حرية اللجنة، بل يخلق أرضية مشتركة للفهم بين الكاتب والمحكّم والقارئ، ويكتسب أهمية خاصة في حالات حجب الجوائز، حيث يصبح تقديم تفسير نقدي عام غير شخصي خطوة ضرورية لتحويل القرار من حكم نهائي إلى مساهمة معرفية مفيدة للمشهد.

يمكن كذلك التفكير في الفصل بين لجان القراءة الأولية ولجان التحكيم النهائية، بما يخفف العبء عن المحكّمين، ويضمن وصول النصوص الأكثر تنوعًا وجدية إلى المراحل الأخيرة، وهو أسلوب معمول به في العديد من الجوائز الدولية.

أخيرًا، يظل التقييم الدوري لتجربة التحكيم نفسها ضرورة لا غنى عنها. 

فكما يتطور الأدب، يجب أن تتطور أدوات قراءته. 

مراجعة التجارب السابقة والاستماع إلى النقاشات النقدية التي تثار حول الجوائز يعزز من دور الجائزة كمؤسسة ثقافية حيّة وقابلة للتطور.


وفي نهاية زبدة رؤيتي أقول:

أزمة القصة القصيرة في الجوائز لا تعكس نقصًا في المواهب، بقدر ما تعكس فجوة بين تطور الكتابة من جهة، وأدوات التقييم من جهة أخرى.

 الجائزة، لكي تحافظ على دورها الثقافي، لا يكفي أن تُعلن أسماء الفائزين، بل ينبغي أن تسهم في فتح النقاش حول ماهية الأدب وحدوده، وأن تكون جزءًا من حركة نقدية أوسع، لا مجرد احتفالية موسمية.

فالجوائز الأدبية لا تُقاس فقط بمن فاز بها، بل بقدرتها على طرح الأسئلة الصحيحة وفتح آفاق جديدة، وإسهامها في بناء مشهد أدبي أكثر حيوية وتعددًا وانفتاحًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة