حين تهرب القصيدة من المدفع في ديوان قصائد فرت من الحرب

 حين تهرب القصيدة من المدفع:
الوعي الجمال

ي والوجودي في ديوان «قصائد فرت من الحرب» لحسونة فتحي
حسن غريب أحمد
ناقد باحث
تمهيد منهجي
لا يندرج ديوان «قصائد فرت من الحرب» ضمن شعر المناسبات أو التسجيل المباشر لأهوال الصراع، بل ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ شعر النجاة الجمالية؛ حيث تصبح القصيدة كائنًا حيًّا يفرّ من الخراب، لا بوصفه حدثًا خارجيًا، بل كشرط وجودي يهدد الإنسان والمعنى معًا.
في هذا السياق، لا يكتب حسونة فتحي عن الحرب بقدر ما يكتب من داخل جرحها، مستعيدًا وظيفة الشعر بوصفه فعل مقاومة رمزية، لا خطابًا أيديولوجيًا.
أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية
يحمل عنوان الديوان «قصائد فرت من الحرب» شحنة تأويلية كثيفة؛ فالفرار هنا لا يعني الجبن، بل الإنقاذ.
إنه يحيل إلى تصور حداثي للقصيدة بوصفها كائنًا هشًّا، مهددًا بالإبادة، لا يقل ضعفًا عن الإنسان نفسه.
القصيدة لا تواجه الحرب، بل تنجو منها، لتعيد مساءلتها أخلاقيًا وجماليًا.
العنوان – وفق تصور جيرار جينيت – يقوم بدور “النص الموازي” الذي يوجه أفق التلقي قبل الدخول إلى المتن.
ثانيًا: الشعر كفعل نجاة لا كتوثيق
تتأسس التجربة الشعرية في الديوان على وعي وجودي عميق، حيث تتحول اللغة إلى ملاذ أخير.
الشاعر لا يقدّم مشاهد دموية مباشرة، بل يعيد صياغة أثر الحرب داخل النفس والذاكرة واللغة.
نلمح حضورًا طاغيًا لثلاث ثيمات مركزية:
الخوف الهادئ لا الصراخ
الغياب بوصفه أثرًا لا حدثًا
القصيدة كبديل عن الوطن
وهو ما يجعل النصوص أقرب إلى شعر ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Poetry)، حيث تُكتب التجربة من مسافة تأملية لا انفعالية.
ثالثًا: جدل الذات والعالم
الذات في هذا الديوان ليست ذاتًا رومانسية منغلقة، ولا ذاتًا جمعية ذائبة، بل ذات قلقة، تقف على التخوم بين:
الخاص والعام
الشخصي والإنساني
الذاكرة الفردية والجرح الكوني
الشاعر يتكلم بصيغة المفرد، لكنه يحمل وجع الجماعة، دون ادعاء تمثيلها.
وهذا ما يمنح النص صدقه الجمالي.
رابعًا: جمالية الصورة الشعرية
يعتمد حسونة فتحي على صورة شعرية:
مركبة لا زخرفية
موحية لا تقريرية
تقوم على الانزياح الدلالي لا البلاغة التقليدية
الصورة عنده ليست تزيينًا للمعنى، بل منتِجة له.
فالماء، الظل، الرماد، القمر، الليل، مفردات تتحول إلى رموز للانكسار والنجاة في آن.
هذه الشعرية تضع الديوان في تماس واضح مع منجز قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر العربية، دون الوقوع في أسر أيٍّ منهما.
خامسًا: اللغة والإيقاع
لغة الديوان تتسم بـ:
صفاء تركيبي
اقتصاد لغوي
إيقاع داخلي هادئ
لا يلجأ الشاعر إلى الموسيقى الصاخبة أو التفعيلات الرنانة، بل يبني إيقاعه على التنفس الشعري وتقطيع الجملة، ما ينسجم مع ثيمة الهروب والنجاة.
مواضع القوة في الديوان
صدق التجربة وابتعادها عن الاستعراض العاطفي.
وعي جمالي ناضج يوازن بين الرمز والوضوح.
اقتصاد لغوي يمنح النص كثافته.
توظيف الحرب كأفق إنساني لا حدث سياسي.
قدرة على تحويل الهشاشة إلى جمال.
مساحات التطوير الممكنة
بعض النصوص تميل إلى التقارب الأسلوبي، ما كان يمكن كسره بمغامرة شكلية أكبر.
تقليل الاعتماد على بعض الرموز المألوفة (كالليل والظل) لصالح ابتكار حقول رمزية أكثر خصوصية.
تعميق البنية الدرامية في بعض القصائد الطويلة.
(وهي ملاحظات تطويرية لا تنتقص من القيمة الفنية العامة).
خاتمة رؤيتي النقدية:
يؤكد ديوان «قصائد فرت من الحرب» أن الشعر لا يزال قادرًا على أداء دوره الأخلاقي والجمالي في زمن الانهيار.
فالقصيدة هنا لا ترفع شعارًا، ولا تصرخ، بل تنجو، وتمنح القارئ درسًا في أن الجمال – في أقسى لحظاته – شكل من أشكال المقاومة الهادئة.
إن حسونة فتحي يقدّم في هذا الديوان تجربة شعرية ناضجة، تُحسب له داخل مشهد الشعر العربي المعاصر، بوصفه شاعرًا جعل من القصيدة وطنًا بديلًا.
المراجع والهوامش
حسونة فتحي، قصائد فرت من الحرب، ديوان شعر، القاهرة، 2022.
قصائد فرت.
عبد القادر القط، في الشعر العربي الحديث، دار المعارف، القاهرة.
أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت.
خالدة سعيد، حركية الإبداع في الشعر العربي الحديث، بيروت.
جيرار جينيت، عتبات، ترجمة محمد بنيس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بلاغ ومناشدة عاجلة بشأن صرف مستحقات الأحكام القضائية لمعلمي شمال سيناء

الأحكام القضائية لا تعرف التقاعد

حين تكشف المحن زيف الصداقات وتعري الوجوه المصبوغة