هل انتهى عهد الناقد الأدبي التقليدي ؟
هل انتهى عهد الناقد الأدبي التقليدي ؟
مقاربة في موت السلطة النقدية
حسن غريب
ناقد وباحث
شهد الفكر الأدبي الحديث، منذ عقود، مداخل متعددة حول مفهوم «الموت» في المعرفة والثقافة.
ومن بين هذه المفاهيم، يبدو موت الناقد الأدبي التقليدي الأكثر واقعية في عصرنا الراهن، ليس بوصفه شخصًا، بل بوصفه سلطة مركزية في صناعة الحكم على الأدب.
هذا الموت ليس أمنية متخيلة، ولا مجرد شعور عابر، بل نتاج تغيّرات حقيقية في وسائل الإنتاج الثقافي وأساليب التلقي، وفي طبيعة النصوص ذاتها.
في المشهد الأدبي العربي والغربي، بدا منذ وقت طويل أن الناقد التقليدي فقد موقعه المركزي، حتى وإن لم يُصرّح بذلك رسميًا، كما حدث مع مفهوم «موت المؤلف» عند رولان بارت.
أما في السياق العربي، فلا يزال النقد الأدبي التقليدي يُمارس كأنه الحارس الوحيد للهيبة الأدبية، وكأن الزمن لم يتحرك منذ الستينيات والسبعينيات، وكأن القارئ لم يصبح شريكًا حقيقيًا في إنتاج المعنى، وكأن النصوص لم تتحرّر من قبضة الناقد التقليدي الذي يحتكر تفسيرها (الغذامي، 2004).
الاعتقاد السائد بأن الناقد يمتلك سلطة معرفية تفوق القارئ العادي، وأن له حق إصدار أحكام مطلقة على قيمة الأعمال الأدبية، هو اعتقاد هش وغير مبرّر. فالناقد، مهما بلغت خبرته، يظل قارئًا، تتشكل قراءته وفق مرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الفكرية.
رأيه ليس «حقيقة مكتشفة»، بل موقف مُنتَج ضمن سياق ثقافي واجتماعي، ومن ثم فإن أي سلطة مطلقة يُضفى عليها غير مبرّرة (عزوز علي إسماعيل، 2010).
تغيّرت شروط القراءة بشكل جذري مع انتشار الوسائط الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أعادت توزيع القوة بين المنتجين والمستهلكين للمعنى.
اليوم، يمكن لمنشور قصير على منصة رقمية أن يوجّه الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقال طويل في مجلة نقدية. النصوص نفسها تحرّرت من سلطة المؤلف والناقد على حد سواء، إذ لم تعد تُقرأ بعين واحدة، بل بعدد القراء، كل منهم يقرأ وفق تجربته الخاصة، ما أسفر عن «ديمقراطية في التأويل»، وأضحى إنتاج المعنى عملية تشاركية مفتوحة (صمود، 2015).
حين أعلن رولان بارت «موت المؤلف»، لم يقصد الموت الفعلي، بل انهيار السلطة المركزية للنص، وما يترتب على ذلك من فقدان مكانة الناقد الذي كان يستند إلى سلطة المؤلف.
ومع زوال هذه السلطة، أصبح الناقد مجرد قارئ آخر ضمن فضاءات النص المفتوحة، مضطرًا لمساءلة نفسه باستمرار عن شرعية ما يقدمه من تفسير أو تقييم.
هذا التحوّل لا يعني موت النقد كأداة فكرية، بل موت موقعه الكهنوتي القديم، وقدرة القراء والمشتغلين الثقافيين على تحدّي الاحتكار التقليدي للمعنى.
في هذا السياق، يبرز مفهوم «المشتغل الثقافي» كبديل أكثر ملاءمة لعصرنا الرقمي والثقافي، فهو يمتد في تحليل النصوص إلى دراسة سياق إنتاج العمل الثقافي، وأساليب التلقي، والروابط الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن افتراضات السلطة المطلقة للناقد (الغذامي، 2004؛ أبو هيف، 2012). المشتغل الثقافي لا يتصرف كحارس للمعنى، بل كوسيط بين النص والجمهور، يقدم قراءة مركّبة، تحرّر النصوص من قيود التفسير التقليدي، وتتيح تعددية حقيقية للمعنى.
من منظور تاريخي، يثبت هذا التحوّل أن الناقد لم يكن أبدًا الحارس المطلق للجودة الأدبية، بل غالبًا حارس ذوقه الشخصي ومسوّغاته الاجتماعية.
التاريخ الأدبي زاخر بالأمثلة: رفض النقد لكافكا، الهجوم على بودلير، السخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم، كلها ممارسات تثبت أن سلطة الناقد كانت محدودة ومتحيّزة.
موت الناقد التقليدي لا يعني انهيار الذائقة أو فقدان المعايير، بل تحرير القراء من حواجز كانت تمنعهم من تملك الحق في التفسير وإعادة تشكيل النصوص (عزوز علي إسماعيل، 2010).
يمكن الإشارة إلى أعمال حديثة مثل كتاب «نقد ثقافي أم نقد أدبي؟» للغذامي (2004)، وكتاب «النقد الأدبي العربي الجديد» لعبد الله أبو هيف (2012)، التي تناولت تحوّلات النقد العربي، وتآكل سلطة الناقد التقليدي، وارتفاع أصوات القراء والمشتغلين الثقافيين كفاعلين أساسيين في صناعة المعنى.
ترى هذه الدراسات أن النقد لم يمت بوصفه ممارسة فكرية، بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تمنحه موقعًا كهنوتيًا في الحكم على القيمة الأدبية، ما أتاح تعددية حقيقية في القراءة والتفسير.
في النهاية، يبقى السؤال: ما الذي يبقى بعد موت الناقد؟ يبقى النص، يبقى القارئ الشغوف، ويبقى الحوار الثقافي المفتوح، الذي لا يحتاج إلى رمزية سلطوية لتبريره.
موت الناقد التقليدي فرصة لإعادة تعريف القراءة، ولإطلاق حيوية الأدب كتيار ثقافي حيّ، بعيدًا عن منطق الاحتكار الثقافي، وتأكيد دور القارئ كشريك أساسي في تشكيل المعنى.
المراجع العربية:
1- عبد الله الغذامي، نقد ثقافي أم نقد أدبي؟ دار الفكر المعاصر، 2004.
2-عزوز علي إسماعيل، عتبات النص في الرواية العربية: من 1990 إلى 2010، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010.
3- حمادي صمود ، في نظرية الأدب عند العرب، دار الزمان، 2015.
4- عبد الله أبو هيف، النقد الأدبي العربي الجديد، دار الفكر العربي، 2012.

تعليقات
إرسال تعليق